ابن حزم
98
رسائل ابن حزم الأندلسي
" أرواح المؤمنين تتعارف " . ولذلك ما اغتم بقراط حين وصف له رجل من أهل النقصان يحبه ، فقيل له في ذلك فقال : ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه ( 1 ) . وذكر أفلاطون أن بعض الملوك سجنه ظلماً ، فلم يزل يحتج عن نفسه حتى أظهر براءته ، وعلم الملك أنه له ظالم ، فقال له وزيره الذي كان يتولى إيصال كلامه إليه : أيها الملك ، قد استبان لك أنه بريء فما لك وله فقال الملك : لعمري ما لي إليه سبيل غير أني أجد لنفسي استثقالاً لا أدري ما هو . فأدي ذلك إلى أفلاطون . قال : فاحتجت أن أفتش في نفسي وأخلاقي شيئاً أقابل به نفسه وأخلاقه مما يشبهها ، فنظرت في أخلاقه فإذا هو محب للعدل كاره للظلم ، فميزت هذا الطبع في ، فما هو إلا أن حركت هذه الموافقة وقابلت نفسه بهذا الطبع الذي بنفسي فأمر بإطلاقي وقال لوزيره : قد انحل كل ما أجد في نفسي له . وأما العلة التي توقع الحب أبداً في أكثر الأمر على الصورة الحسنة ، فالظاهر أن النفس تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة ، فهي إذا رأت بعضها تثبتت فيه ( 2 ) ، فإن ميزت وراءها شيئاً من
--> ( 1 ) أقرب الأقوال إلى هذا قول منسوب إلى أنطيانس ، إذ مدحه رجل شرير فقال له : ما أحوجني أن أكون قد فعلت شراً إذ كنت قد استحسنت مني شيئاً ( صوان الحكمة : 247 ) وقول أبقراط هذا قد نقله ابن حجة في كتابه ديوان الصبابة : 49 وابن القيم في روضة المحبين : 73 ؛ وانظر : دراسات عن ابن حزم للدكتور الطاهر مكي ( القاهرة 1977 ) ص 324 - 339 . ( 2 ) قارن هذا بقول علي بن ربن الطبري " فإن من شان النفس الولوع والعجب بكل شيء حسن من جوهر أو نبت أو دابة ، فإذا اتفق مثل الحسن في شيء هو من جنس الإنسان ومما في غريزته الحب له اهتاجت الشهوة حينئذ وحرصت النفس على مواصلته وقربه " ( فالنصفان متشابهان إلى حد بعيد ، وابن ربن توفي سنة 247 ه - ) . ويقول ابن الجوزي : العشق شدة ميل النفس إلى صورة تلائم طبعها فإذا قوي فكرها فيها تصورت حصولها وتمنت ذلك ( ذم الهوى : 293 وانظر أيضاً : 296 ) .